ابن سعد
131
الطبقات الكبرى ( دار الكتب العلمية )
الْحَارِثِ : بَلْ تَعِسْتَ أَنْتَ . أَتَشْتِمُ رَجُلا مِنَ الْمُرْسَلِينَ ؟ إِنَّهُ الَّذِي بَشَّرَ بِهِ عِيسَى وَإِنَّهُ لَفِي التَّوْرَاةِ ! قَالَ : فَمَا يَمْنَعُكَ مِنْ دِينِهِ ؟ قَالَ : شَرَّفَنَا هَؤُلاءِ الْقَوْمُ وَأَكْرَمُونَا وَمَوَّلُونَا وَقَدْ أَبَوْا إِلا خِلافَهُ . فَحَلَفَ أَخُوهُ أَلا يَثْنِي لَهُ صَعَرًا حَتَّى يَقْدَمَ الْمَدِينَةَ فَيُؤْمِنَ بِهِ . قَالَ : مَهْلا يَا أَخِي فَإِنَّمَا كُنْتُ مَازِحًا . قَالَ : وَإِنْ . فَمَضَى يَضْرِبُ رَاحِلَتَهُ وَأَنْشَأَ يَقُولُ : إِلَيْكَ يَغْدُو قَلِقًا وَضِينُهَا . . . مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا مُخَالِفًا دِينَ النَّصَارَى دِينُهَا قَالَ : فَقَدِمَ وَأَسْلَمَ . أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْعَبْدِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : بَعَثَتْ قُرَيْشٌ النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَلْقَمَةَ وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَغَيْرَهُمَا إِلَى يَهُودَ يَثْرِبَ وَقَالُوا لَهُمْ : سَلُوهُمْ عَنْ مُحَمَّدٍ . فَقَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَقَالُوا : أَتَيْنَاكُمْ لأَمْرٍ حَدَثَ فِينَا . مِنَّا غُلامٌ يَتِيمٌ حَقِيرٌ يَقُولُ قَوْلا عَظِيمًا يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ الرَّحْمَنِ . وَلا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إِلا رَحْمَانَ الْيَمَامَةِ . قَالُوا : صِفُوا لَنَا صِفَتَهُ . فَوَصَفُوا لَهُمْ . قَالُوا : فَمَنْ تَبِعَهُ مِنْكُمْ ؟ قَالُوا : سَفَلَتُنَا . فَضَحِكَ حَبْرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ : هَذَا النَّبِيُّ الَّذِي نَجْدُ نَعْتَهُ وَنَجِدُ قَوْمَهُ أَشَدَّ النَّاسِ لَهُ عَدَاوَةً . أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عِيَاضِ بْنِ جُعْدُبَةَ عَنْ حَرَامِ بْنِ عُثْمَانَ الأَنْصَارِيِّ قَالَ : قَدِمَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ مِنَ الشَّامِ تَاجِرًا فِي أَرْبَعِينَ رَجُلا مِنْ قَوْمِهِ . فَرَأَى رُؤْيَا أَنَّ آتِيًا أَتَاهُ فَقَالَ : إِنَّ نَبِيًّا يَخْرُجُ بِمَكَّةَ يَا أَبَا أُمَامَةَ فَاتَّبِعْهُ . وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّكُمْ تَنْزِلُونَ مَنْزِلا فَيُصَابُ أَصْحَابُكَ فَتَنْجُو أَنْتَ وَفُلانٌ يُطْعَنُ فِي عَيْنِهِ . فَنَزَلُوا مَنْزِلا فَبَيَّتَهُمُ الطَّاعُونُ فَأُصِيبُوا جَمِيعًا غَيْرَ أَبِي أُمَامَةَ وَصَاحِبٍ لَهُ طُعِنَ فِي عَيْنِهِ . أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ وَغَيْرِهِ عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ أَنَّ خَالِدَ ابن سَعِيدٍ قَالَ : رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ قَبْلَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ظُلْمَةً غَشِيَتْ مَكَّةَ حَتَّى مَا أَرَى جَبَلا وَلا سَهْلا . ثُمَّ رَأَيْتُ نُورًا يَخْرُجُ مِنْ زَمْزَمَ مِثْلَ ضَوْءِ الْمِصْبَاحِ كُلَّمَا ارْتَفَعَ عَظُمَ وَسَطَعَ حَتَّى ارْتَفَعَ فَأَضَاءَ لِي أَوَّلَ مَا أَضَاءَ الْبَيْتَ . ثُمَّ عَظُمَ الضَّوْءُ حَتَّى مَا بَقِيَ مِنْ سَهْلٍ وَلا جَبَلٍ إِلا وَأَنَا أَرَاهُ . ثُمَّ سَطَعَ فِي السَّمَاءِ . ثُمَّ انْحَدَرَ حَتَّى أَضَاءَ لِي نَخْلَ يَثْرِبَ فِيهَا الْبُسُرُ . وَسَمِعْتُ قَائِلا يَقُولُ فِي الضَّوْءِ : سُبْحَانَهُ سُبْحَانَهُ تَمَّتِ الْكَلِمَةُ وَهَلَكَ ابْنُ مَارِدٍ بِهَضَبَةِ الْحَصَى بَيْنَ أَذْرُحَ وَالأَكَمَةِ . سَعِدَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ . جَاءَ نَبِيُّ الأُمِّيِّينَ .